ابن أبي الحديد

31

شرح نهج البلاغة

لا تعرف هذا الحي من قريش وما خصوا به من الحسد ! فوالله لو كان هذا الحسد يدرك بحساب لكان لقريش تسعة أعشاره ، وللناس كلهم عشر ، فقلت : مه يا مغيرة فإن قريشا بانت بفضلها على الناس . فلم نزل في مثل ذلك حتى انتهينا إلى رحل عمر فلم نجده ، فسألنا عنه فقيل : قد خرج آنفا ، فمضينا نقفو أثره ، حتى دخلنا المسجد ، فإذا عمر يطوف بالبيت ، فطفنا معه ، فلما فرغ دخل بيني وبين المغيرة ، فتوكأ على المغيرة وقال : من أين جئتما ؟ فقلنا : خرجنا نريدك يا أمير المؤمنين ، فأتينا رحلك فقيل لنا : خرج إلى المسجد ، فاتبعناك . فقال : اتبعكما الخير ، ثم نظر المغيرة إلى وتبسم ، فرمقه عمر ، فقال : مم تبسمت أيها العبد ! فقال من حديث كنت أنا وأبو موسى فيه آنفا في طريقنا إليك ، قال : وما ذاك الحديث ؟ فقصصنا عليه الخبر حتى بلغنا ذكر حسد قريش ، وذكر من أراد صرف لابن أبي بكر عن استخلاف عمر ، فتنفس الصعداء ثم قال : ثكلتك أمك يا مغيرة ! وما تسعة أعشار الحسد ! بل وتسعة أعشار العشر ، وفي الناس كلهم عشر العشر ، بل وقريش شركاؤهم أيضا فيه ! وسكت مليا وهو يتهادى بيننا ، ثم قال : ألا أخبركما بأحسد قريش كلها ؟ قلنا : بلى يا أمير المؤمنين ، قال : وعليكما ثيابكما ، قلنا : نعم ، قال : وكيف بذلك وأنتما ملبسان ثيابكما ؟ قلنا يا أمير المؤمنين ، وما بال الثياب ؟ قال : خوف الإذاعة منها ، قلنا له : أتخاف الإذاعة من الثياب أنت ، وأنت من ملبس الثياب أخوف ! وما الثياب أردت ! قال : هو ذاك ، ثم انطلق وانطلقنا معه حتى انتهينا إلى رحله ، فخلى أيدينا من يده ، ثم قال : لا تريما ، ودخل فقلت للمغيرة : لا أبا لك ! لقد أثرنا بكلامنا معه ، وما كنا فيه وما نراه حبسنا إلا ليذاكرنا إياها ، قال ، فإنا لكذلك إذ أخرج إذنه إلينا ، فقال : ادخلا ، فدخلنا فوجدناه مستلقيا على برذعة برحل ، فلما رآنا تمثل بقول كعب بن زهير : لا تفش سرك الا عند ذي ثقة * أولى وأفضل ما استودعت أسرارا ( 1 )

--> ( 1 ) ملحق ديوانه 257 ، وغرر الخصائص 181